هناك عناصر محدودة من بين صفوف اليسار الراديكالي ترى أن المجتمع الإسرائيلي متعفن حتى النخاع ولا أمل في إصلاحه من الداخل. كثير من هؤلاء انتقل إلى المعسكر الآخر وانضم إلى منظمات عسكرية من اليسار الفلسطيني. وبعضهم اتهمته أجهزة الأمن، كما أسلفنا، بتسريب معلومات لدول عربية. واختار آخرون، ممن يأسوا من إمكانية الإصلاح من الداخل، أن يهاجروا من إسرائيل. وبذلك، أصبح من بقوا هم فقط من يؤمنون بإمكانية الإصلاح من الداخل. فكما لو أن طبيعة وتداعيات الصراع في إسرائيل يفرضان، جسديا قبل فكريا، على اليسار الراديكالي الحقيقي أن يخرج من دائرة الدولة ليستطيع أن يعارضها جذريا.
والحقيقة أن لهذه الظاهرة، نعني تآكل اليسار الراديكالي الحقيقي داخل إسرائيل، جذور بنيوية داخل المجتمع الإسرائيلي بطبيعته الصهيونية. فإسرائيل، بالدعم الإمبريالي غير المحدود، وبسياسة الفصل العنصري المؤسِسة لوجودها، مجتمع متماسك داخليا إلى أقصى مدى يتغذى على معاداته للآخر الفلسطيني ولا تظهر بداخله تشققات طبقية-سياسية كبرى ذات مغزى. مجتمع كهذا لا يمكن إسقاط أسسه من الداخل، بل لابد أن تأتيه الضربة من خارجه، من ثورة الطبقات العاملة العربية. وهذا بالتحديد هو ما يجعل من وجود يسار راديكالي حقيقي، كتيار له تأثير، أمرا بعيد المنال في تلك الدولة. وهو كذلك ما يدفع من يرفضون الصهيونية جذريا، أي يرفضون وجود الدولة الإسرائيلية، إلى مغادرة إسرائيل جسديا أو إلى الانتقال الشامل إلى معسكر الثورة الفلسطينية.


